التحديات السياسية بعد الثورة المصرية

بقلم عبد المنعم منيب | 25 مايو, 2011

مثَّلَت الثورة المصرية بأحداثها وتداعياتِها انقلابًا حقيقيًّا في الفِكْر السِّياسي العالَمِيِّ، وتغييرًا هامًّا في معايير وتكنولوجيا الثَّورة في مواجهة تكنولوجيا القَمْع في الدَّولة الاستبداديَّة المعاصرة، ومع ذلك فلِتَكملة خطواتها الانقلابيَّة هذه في الفِكْر السياسيِّ والثَّوري؛ فإنَّ الثورة المصرية مدعوَّةٌ إلى أن تقدِّم إبداعًا مُماثلاً في مجال الاستجابة لتحديات ما بعد نجاح الثَّورة.

أوَّل وأهم هذه التَّحديات: هو حسن إدارة الصِّراع السياسي بشكل سليمٍ يحقِّق الاستقرار السياسيَّ، ويحقِّق حسن وعدالةَ توزيعِ الموارد السياسيَّة.

لقد بات واضحًا أن هناك صراعًا بين عددٍ من القوى في الحياة السِّياسية المصرية، حول عددٍ من القضايا المصيرية؛ فهناك صراعٌ بين العلمانيِّين ومعهم الكنيسة القبطيَّة وأنصارها من جهة، وبين تيَّارات الحركة الإسلامية كافَّةً، حول هُوِيَّة الدولة المصريَّة، وعنوانُ هذا الصِّراع - حتى الآن - هو المادَّة الثانية من الدُّستور.

وهناك صراعاتٌ تفصيليَّة عديدة داخل القوى المختلفة؛ بعضها ظاهر، وبعضها خفي؛ فهناك الصِّراع على القيادة داخل أحزاب عدَّة؛ (أحزاب العمل، والتجمُّع، والناصري، والوفد، وحركة 6 أبريل... أمثلة مشهورة)، وهناك صراعُ أجيالٍ داخل جماعة الإخوان المسلمين، والصِّراعات متأجِّجة بين السَّلفيين والصُّوفية بشكل عامٍّ، وإن كان أخذ عنوانًا رئيسًا عُرِف بالأضرحة.

هذا كلُّه فضلاً عن صراعٍ عامٍّ بين قُوَى الثَّورة كلِّها من ناحية، وبين القوى القديمة من بقايا أنصار النِّظام المخلوع - الذين اصطُلِح على تسميتهم بالثَّورة المضادَّة - حول مدى التغيير، ومدى استمراريَّة النِّظام السابق، أو بعض سياساته، أو رموزه.

كما يوجد نوعٌ آخَر من الصراع حول المطالب الاجتماعية ذات الطبيعة الفئويَّة، وهذا الصراع بطبيعته فئويٌّ.

ورغم تنوُّع هذه الصراعات، وتنوُّع أسبابِها؛ فإنَّ جوهرها كلَّه يتمثَّل في شيءٍ واحد، هو رغبةُ كلِّ طرف من أطراف أيٍّ من هذه الصراعات في فَرْضِ رؤيته السِّياسية أو العقَديَّة أو الفكريَّة، على الأطراف الأخرى، دون وجودِ آليَّةٍ محدَّدة وواضحة؛ لتحديد أيّ الرُّؤى أولى بالإقرار في الواقع المصريِّ الآن.

وهذا يعتبر أمرًا مدهِشًا للغاية؛ إذْ إنَّه غداة الإطاحة بالدِّيكتاتور المستبِدِّ، تريد أغلَبُ القوى السياسيَّة أن تَرِث وظيفته الاستبداديَّة، وإن كان بِشَكل آخَر، وأساليبَ أُخرى، وتغفل هذه القوى أنَّ الثورة المصرية رسَّخَت آليات وتكتيكات ناجحة جدًّا لِمُقاومة ومَنْعِ الاستبداد السِّياسي، ومِن ثَمَّ فأيُّ محاولة للاستبداد بصناعة القرار بشأن خيارات وأولويات المجتمع، والدولة المصريَّة، سوف تبوء بالفشل الذَّريع، لكن ذلك لا يعني أن هذا سيَحلُّ هذه الصِّراعات المذكورة؛ لأن هذه الصِّراعات رغم أنَّها لن تنجح في استنساخ الاستبداد إلا أنها ما لم تُعالَج علاجًا سليمًا، فإنَّها سوف تسبِّب تعطيلاً لمسيرة الدَّولة المصرية في المجالات كافَّة، وانسدادًا في أفقها السِّياسي، إلى أن يتِمَّ حلُّ هذه الصراعات بالأسلوب السليم.

فما هو الأسلوب السليم لحلِّ هذه الصراعات؟

الأسلوب السليم هو استخدام سِمَات وأساليب ثورة 25 يناير، وأبرز هذه السِّمات والأساليب هي:

• التصميم على التغيير.

• التضحية.

• الإيثار وإنكار الذَّات.

• التوافق الوطَنِي عبر الاتِّفاق على الحدِّ الأدنى، وتأجيل مناقشة قضايا الخلاف حتى تنتهي عمليَّة التغيير بشكل كامل.

• التحرُّك بقاعدة شعبيَّة كبيرة.

• استخدام النَّجاح لتدعيم الصُّفوف، وجَلْب المزيد من النجاح.

لقد أدَّت هذه السِّمات إلى نجاح الثَّورة المصرية، وعلينا استحضارُ نفس السِّمات ليس لحلِّ الصراعات الدائرة فقط، ولكن أيضًا لحلِّ جميع المشاكل التي تواجهنا؛ سواء أكانت سياسيَّة، أم أمنيَّة، أم اجتماعية، أم اقتصادية، أم تشريعيَّة، أم فكرية، أم ثقافية.

ولا شكَّ أن هناك قُوى سوف تُحاول عرقلة الحلولِ عبر هذه الآليَّات؛ لأنَّها لا ترغب في شيءٍ سوى توفير فُرَص الاستبداد لنفسها؛ خاصَّة أنَّ هناك قوى عارضَت الثورة في السابق بشكلٍ قاطع وعلَنِي، وبوضوحٍ لا لَبْس فيه، واتَّخذَت مواقف أقلَّ ما توصف به أنَّها كانت مؤيِّدة للنِّظام السابق، ومع ذلك تريد الآن أن تستغِلَّ مرحلة ما بعد الثَّورة، وما أتاحَتْه من فُرَص لتحقيق أهدافها الاستبداديَّة تحت شعارات الثَّورة، ولكن لا شكَّ أن إعمال سِمَات وآليَّات الثورة هذه سوف تُحْبِط كلَّ مُحاولات هذه القوى لفرض ألوانٍ جديدة من الاستبداد.

وفي هذا المجال لا بدَّ أن نلاحظ أنَّنا لسنا بحاجةٍ إلى إعمال آليَّات وسمات الثَّورة فقط؛ بل نحن أيضًا بحاجةٍ إلى دعوة القوى التي شاركت واقعيًّا وفعليًّا في الأداء الحركيِّ والسياسي للثورة؛ لكي تقوم بدورها في تنفيذ هذا التصوُّر لتجاوز الأزمات التي تهدِّد مصر بالجمود وانسداد الأُفق السِّياسي؛ لأنَّ هذا واجبٌ وطني متمِّم لدورها التاريخي، الذي أدَّى لنجاح الثَّورة المصرية.

الوصول إلى حالةٍ من الدِّيمقراطية الكاملة في ظلِّ حُكْم مدني كامل هو محطَّة مهمَّة في مستقبل الثَّورة المصريَّة، لكنها ليست هي المحطَّة الأخيرة؛ لأنَّ أساليب وآليات الثَّورة لا بدَّ أن يستمرَّ استخدامها لحلِّ المشكلات كافَّةً التي تواجه مصر والمصريِّين في المجالات كافَّة؛ وذلك عَبْر القوى السِّياسية والاجتماعيَّة التي قامت بالثَّورة المصرية.

ومن هنا، تجدر الإشارة إلى عددٍ من المشكلات الكُبرى التي تواجه مصر مِن الآن وحتَّى مرحلة ما بعد تحقيق التحوُّل للديمقراطيَّة الكاملة.

وأبرزُ هذه المشكلات هي التَّوازُن والتناسب والمُواءمة بين متطلَّبات توافق القوى السياسية المصريَّة كافَّة، وبين متطلَّبات المجتمع الدَّولي والنِّظام الدولي، تلك المتطلَّبات التي ترقى في بعض المسائل لحالةِ الضَّرورات، لقد كرَّست ثورة 25 يناير المصريَّة أسلوبًا نجح حتَّى الآن في هذا المَجال، وهو تأجيل إعلان الموقف من بعض القضايا المتعلِّقة بالشأن الدَّولي، لكن هذا الأسلوب، وإن تَمَّ قبوله دوليًّا بشكل أو بآخر بسبب الظَّرف الثَّوري، لكنه لن يكون كافيًا في حالةِ دولة مستقرَّةِ المَعالِم تكون الثورة قد انتهت من بِنائها.

ومن هنا؛ فالواجب التَّعامل مع حقائق وضرورات النِّظام الدولي بتكتيكات تتَّسم بالتَّوازن بين الواقعيَّة وبين متطلَّبات التوجُّهات السياسية للقوى المتعدِّدة التي يقوم عليها النِّظام السياسي المصري في مرحلة ما بعد الثورة، وفي قلبها القوى الصانعة للثورة المصرية.

وعلى كلِّ حالٍ، فهناك مشكلة أخرى مهمَّة في ذاتِها، كما أنَّها تزداد أهمِّية؛ لارتباطها بِجَميع المشكلات الفكريَّة والسِّياسية الأخرى، هذه المشكلة هي أزمة الهُوِيَّة في مصر، وهذه المشكلة قديمة، ونشأَتْ منذ بدايات القرن العشرين الميلاديِّ، ولم يَتِمَّ حلُّها حتَّى الآن، كما لا يُنتَظر أن يتِمَّ حلُّها في المدى المَنْظور، ومِن المُلاحَظ أنَّ هذه المشكلة تزداد تعقيدًا، ويحتدم حولها الصِّراع كلَّما تأزَّمَت الأوضاع السِّياسية المصريَّة، وكلَّما زادت حدَّة الصِّراع بين القوى السِّياسية المصريَّة...

إنَّها مشكلة الصِّراع بين القديم والجديد، أو بين الأصالة والمُعاصَرة... بين هُوِيَّات مصر الفرعونيَّة والقبطيَّة، والبحر متوسطيَّة، والعربية، والإسلاميَّة.

ومن الواجب في المرحلة القادمة تهيئة الأجواء المناسبة لخلق التطورات الفكرية والثقافية والحضارية اللازمة لحل هذا الصراع حول الهوية المصرية، أو على الأقل ترسيخ أدوات مناسبة لحوار حضاري بين كافة الفرقاء بشأن هذه المشكلة، بعيدًا عن الاتهامات المتبادلة بالتخوين أو التجهيل أو العمالة، ودون إرهاب فِكْري، ودون وصاية من أيِّ نوع، حوار يَقُوم على أساسٍ من المُساواة دون أيِّ مُمارَسات ديكتاتوريَّة من أيِّ نوعٍ، ومن أي اتِّجاه، ودون استقواءٍ بغير الحجَّة والدَّليل وقوَّة المنطق.

ورُبَّما يتساءل البعضُ: ما الذي يفيد الإسلاميِّين من جرَّاء بناء دولة ديمقراطيَّة، وهم يهدفون في الأساس إلى بناء دولة إسلاميَّة؟

وقد يرد عليهم البعض بأنَّه من المُنتَظر في ظلِّ دولة ديمقراطيَّة أن يفوز الإسلاميُّون بِمُعظم مقاعد البرلمان، لكن في حقيقة الأمر فإنَّ هناك أمرًا آخَر على درجة عالية من الأهَمِّية والخُطورة، وهو أنَّ درس التاريخ يُشِير إلى أنَّ حالة الحُرِّية العامَّة هي أفضل حالةٍ تتحرَّك فيها الحركةُ الإسلاميَّة للدعوة، والتَّثقيف، والتربية، والتعبئة، والتجنيد، والعمل العامِّ؛ السياسي، والاجتماعي، والثقافي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 نُشر هذا الموضوع على موقع شبكة الألوكة في 23 مايو 2011 .. و هو في الأصل كان جزء من ورقة كنت أعددتها للمشاركة بها في مؤتمر بحثي عن الثورة المصرية كانت قد نظمته كلية لندن للعلوم السياسية بالاشتراك مع عدد من مراكز البحوث السياسية في القاهرة و لندن و لكنني تخلفت عن المشاركة في اللحظة الآخيرة لأسباب خاصة.