تعرف على السؤال السياسي المزمن عند المسلمين منذ عشرات السنين وماهية إجابته

بقلم عبد المنعم منيب | 18 ديسمبر, 2018
السؤال
السؤال

منذ عشرات السنين (بل طوال المائتي سنة الأخيرة) وهناك سؤال يتردد كثيرا على ألسنة المسلمين كلما وقع حدث كبير، هذا السؤال هو:
هل سيفيد هذا الحدث المسلمين؟؟
أو
بماذا سيستفيد المسلمون من هذا الحدث؟؟ 

ورغم أن هذا السؤال المزمن يعبر عن طموح للخروج من أزمات الأمة المسلمة المتفاقمة (لأسباب دولية وإقليمية) منذ أكثر من قرنين كما يعبر عن تطلع للاستفادة من الأحداث الجارية لحل هذه الأزمات إلا إنه يدل على عدم إدراك كافي بطبيعة السنن الكونية القدرية التي أمرنا الله بمراعاتها والتناغم معها والقيام بأسبابها.
فمن بديهيات السنن الكونية أن من يستفيد من تقلبات الأسواق هم التجار ذوي رؤوس الأموال الكبيرة وليس المفلسين (إلا ما ندر)، ونفس الشئ فى السياسة فانتهاز الفرص الكامنة في أي حدث لا يقدر عليه سوى الساسة الذين يملكون رأس مال سياسي يمكنهم من قنص الفرص أو حتى صنع الفرص من أى حدث، فما هو المقصود بتعبيرنا هنا "رأس المال السياسي"؟؟
رأس المال السياسي يتضمن أربعة أمور:
-امتلاكك أدوات العمل السياسي.
-إدراكك أنك تملك هذه الأدوات.
-امتلاكك الفكر السياسي اللازم لتوظيف هذه الأدوات لتحقيق أهدافك.
-امتلاكك العزيمة والشجاعة بدرجة مناسبة بما يمكنك من توظيف هذه الأدوات لتحقيق أهدافك.

وقبل إكمال المقال دعونا نفحص هذه العناصر الأربعة بشىء من التفصيل في السطور التالية:
-امتلاكك أدوات العمل السياسي
تنقسم أدوات العمل السياسي إلى قسمين كبيرين وتحت كل قسم منهما عدد من الأدوات:
القسم الأول- القوة الصلبة ويطلق عليه أيضا قوة الإرغام:
ويتضمن القدرة العسكرية والقمع الأمني والقدرة على الحصار الاقتصادي أو المعاقبة اقتصاديا.
ومن هنا فأنت لا تمتلك أدوات هذا القسم إلا بامتلاكك تكنولوجيا التصنيع بعامة وتصنيع السلاح بشكل خاص بجانب امتلاكك الموارد الاقتصادية الكافية لممارسة الحرب والقمع العسكري والحصار والضغط الاقتصادي.
القسم الثاني- القوة الناعمة ويطلق عليه أيضا قوة الإقناع:
ومعنى أو جوهر هذا القسم من القدرة هو أنك تدفع الطرف الآخر لتنفيذ ما تريده ليس بإرغامه على فعل ما تريده ولكن بإقناعه بأن هذا الذي تريده هو لمصلحته هو أو أن قيامه به سيفيده هو أيضا أو أن قيامه به هو واجب عليه يلزمه القيام به أيا كانت النتائج، ويتم هذا عبر التحكم في الإعلام والتعليم وكافة وسائل التأثير الثقافي والاجتماعي وتقديم المعونات والقروض الاقتصادية، وبذلك فإن امتلاكك لهذه القدرة يأتي من امتلاكك لكل أو أهم هذه الأدوات من تعليم وإعلام وثقافة وفنون ودبلوماسية وعلاقات عامة وأدوات تغيير اجتماعي بجانب موارد اقتصادية كافية للإنفاق على هذا كله و لتقديم المعونات والقروض.
-إدراكك أنك تملك هذه الأدوات
إن امتلاكك لكل أدوات العمل السياسي المذكورة هنا لن يمكنك وحده من اقتناص أو صنع الفرص لتحقيق أهدافك السياسية لأن الجمل قد يسير فى الصحراء القاحلة يقتله العطش بينما يحمل على ظهره أوعية ماء تكفى لري ظمأ قطيع كامل وليس سقيه هو وحده، فالعبرة ليس بامتلاك القدرة فقط ولكن امتلاكها مع إدراكك أنك تملكها بجانب الأمرين التالين: 
-امتلاكك الفكر السياسي اللازم لتوظيف هذه الأدوات لتحقيق أهدافك
قد تمتلك القدرة وتدرك أنك تملكها ولكنك لا تملك الفكر السياسي والإداري المناسب لتوظيف قدرتك هذه لتحقيق أهدافك، والفكر هو من أقوى وأهم عناصر القوة والقدرة فيمكنك إن حزت فكرا سليما أن تتوصل به لحيازة ما ينقصك من موارد القوة الصلبة والقوة الناعمة على حد سواء، ولكن كم من أصحاب القدرة السياسية أو الاقتصادية أهدروا قدراتهم أو جانب كبير منها فى لا شىء ظنا أن هذا يحقق هدفهم بل بعضهم أهدرها فيما يبعده عن تحقيق هدفه ظنا أنه يحقق له الهدف أو يقربه منه وهؤلاء أشبه بمن "زين له سوء عمله فرآه حسنا" أو أشبه بمن قال فيهم تعالى "قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا. الذين ضل سعيهم فى الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا".
-امتلاكك العزيمة والشجاعة بدرجة مناسبة بما يمكنك من توظيف هذه الأدوات لتحقيق أهدافك
وهذا شرط يتعلق بإيجاد الفعل نفسه (أي فعل من أي نوع) فإنك لن تفعل أي شىء ما لم تملك العزيمة المناسبة والكافية لفعله وكذا الشجاعة اللازمة للفعل وهذا من البديهيات العقلية التي لا يختلف عليها عاقل، فأى أمر لا يخرج من عالم الفكر النظري إلى عالم الواقع العملي على الأرض بمجرد صنعه فكريا وحيازة القدرة على صنعه بل لابد من وسيط ينقل الفكرة من العقل ليخلطها بموارد القدرة ويخرجها للعالم الحقيقي واقعا على الأرض، أما إن لم نفعل هذا فستظل الفكرة مجرد أمل أو أمنية فى تخيلنا حتى لو كنا نملك كل موارد القدرة فى الدنيا بأسرها.
أما عن الشجاعة اللازمة لتحقيق الفعل فيلخصها قول الشابي:

ومن يتهيب صعود الجبال
                  يعش أبَــدَ الدهــر بيــن الحــفرْ

ومن هنا فإن مفهوم الرأس مال السياسي الذي ذكرناه هو نفسه مفهوم القوة أو القدرة السياسية.
وهذا كله يعيدنا لهذا السؤال المزمن الذي بدأنا به المقال وهو:
هل سيفيد هذا الحدث المسلمين؟؟
أو
بماذا سيستفيد المسلمون من هذا الحدث؟؟ 
ونعود فنكرر: انتهاز الفرص الكامنة في أي حدث لا يقدر عليه سوى الساسة الذين يملكون رأس مال سياسيا (قدرة أو قوة سياسية) يمكنهم من قنص الفرص أو حتى صنع الفرص من أى حدث لتحقيق هدفنا.

وما دمنا لا نملك ولا نسعى لامتلاك رأس المال السياسي فلماذا نجرى وراء كل حدث ونسأل كيف يفيدنا هذا الحدث وهل سيحقق شيئا من آمالنا؟؟
أعرف الرد الذي سيرده الأكثرون هنا فسيقول كل منهم: وماذا أفعل وأنا فرد واحد ولست حزب ولا حركة ولا دولة؟؟
والإجابة هي: ألم تر كم من فرد غير التاريخ ووجه مسار الأحداث وبدأ التغيير وحده؟؟ وهذه إجابة سهلة وبسيطة 
ولكن يعزف عنها الأكثرون استسهال وركون للراحة والدعة.
وحتى نقدم حلا عمليا مجملا بسرعة هنا فإننا نذكر حديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي يومىء لمفاتيح تأثير الفرد وحده فى مسار الأحداث حيث قال (صلى الله عليه وآله وسلم): " لا حسد إلا في اثنتين، رجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها، ورجلٍ آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق" (رواه البخاري ومسلم، انظر جمع الفوائد رقم 8057).
أما التفاصيل فمنثورة فى أحاديث نبوية كثيرة كما أننا سبق وكتبنا هنا مقالات كثيرة تشرح أنماط العمل المرجو لتحقيق آمال أمتنا فليراجعها من شاء.

ودون امتلاك هذه القدرات أو جانب مناسب منها فلا داعي للاستمرار فى طرح السؤال المزمن الذي دار حوله هذا المقال.