ما هى القيمة العليا فى السياسة الإسلامية؟؟

بقلم عبد المنعم منيب | 19 فبراير, 2017
ميزان العدل
ميزان العدل

لكل نظرية سياسية قيمة عليا تعمل لتحقيقها وتطبيقها فى الواقع فالقيمة العليا للنظرية السياسية الغربية الحديثة هى الحرية بينما القيمة العليا للماركسية هى العدالة الاجتماعية بحسب التصور والمفهوم الماركسى، وأنا ظللت حتى هذا العام الهجرى الآخير أظن أن القيمة العليا فى السياسة الإسلامية هى "العدالة" فقط وذلك لقوله تعالى : "لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ" [الحديد:25].

وعندما صدر كتاب "التصور السياسى للحركة الإسلامية" لشيخنا فضيلة الشيخ رفاعى سرور (رحمه الله) تمحور الكتاب كله حول أن القيمة العليا للسياسة الإسلامية هى وحدة الصف الإسلامى، وظللت لسنوات أظن أن تمحور الكتاب حول هذا الأمر هو خلل يضعف الكتاب، ولكن الآن وبعد سنوات من التأمل العميق لتاريخنا الإسلامى من مبدأه وحتى الآن تبين لى عمق النظرة السياسية للشيخ رفاعى سرور بتركيزه على وحدة الصف الإسلامى كقيمة عليا للنظرية السياسية الإسلامية.

ومن هنا ظهر لى أن القيمة العليا فى السياسة الإسلامية لا تنحصر فى عنوان واحد وإنما تشمل من وجهة نظرى ثلاثة عناوين أراها مرتبطة ببعضها البعض ، وهذه العناوين أو القيم هى: العدالة، ووحدة الصف الإسلامى، والتعاون مع القوى الراعية للعدل من غير المسلمين، ولهذه الثلاث توضيح أسوقه كالتالى:

العدالة، وذلك لقوله تعالى بالآية 25 من سورة الحديد المذكورة آنفا، وما قاله العلماء فى تفسيرها.

وحدة الصف الإسلامى، لكل الأدلة والأسباب التى ذكرها شيخنا رفاعى سرور بكتابه "التصور السياسى الإسلامى"، ولأنه بدون وحدة الصف فلن تقوم للمسلمين قائمة قال تعالى "وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ" [الأنفال: 46]، كما أن مصداق هذه الآية هو أمر مشاهد بماضى المسلمين وحاضرهم، ففرقة الصف الإسلامى تسببت فى سقوط الأندلس رغم تقدم أهلها العلمى ورخائهم الإقتصادى ووفرة عددهم وعدتهم، كما اجتاح "التتار" الإمارات الإسلامية المتعددة بدءا من الهند شرقا وحتى الشام غربا رغم تفوق المسلمين عليهم علما وتقنية وإقتصادا وعددا وعدة إلا أن المسلمين كانوا حينئذ متفرقون، ونفس الشئ حدث فى مواجهة الحملات الصليبية حيث أدى تفرق قادة المسلمين إلى احتلال الصليبيين لأجزاء كثيرة بالشام واستقروا ببعضها لأكثر من مائة عام بالرغم من تفوق المسلمين عليهم حضاريا وإقتصاديا وعسكريا إلا أن المسلمين كانوا متفرقين ولم يوقعوا هزائم بالصليبيين إلا بعد نجاح عملية توحيد الصف الإسلامى التى بدأها عماد الدين زنكى وأكملها من بعده ابنه نور الدين محمود ومن بعده تلميذه صلاح الدين الأيوبى، كما أن التفرق هو سبب ما يعيشه المسلمون الآن من هزائم وهوان.

التعاون مع القوى الراعية للعدل من غير المسلمين، وذلك لأدلة كثيرة فى السنة السياسية للنبى صلى الله عليه وآله وسلم، ذكرنا أبرزها فى كتابات متعددة سابقة، كما أن هذه القيمة لاتثرى فقط العقل الإسلامى وتعطى قيادة الأمة الإسلامية مزيدا من الخيارات الجيدة لتحقيق أهداف الإسلام ولكنها تمثل أيضا نوعا من تحقيق العدل إذ من العدل أن تدعم قيادة أمة الإسلام غير المسلمين الذين يدعمون شيئا من الفضائل أو شيئا من العدل رغم وجودهم فى محيط لايُجْمِع كلُه على دعم هذه الفضائل أو شئون العدل فتدعم قيادة الأمة اٌسلامية جهودهم بشأن العدل والفضيلة.

وبالإجمال فالعدل قيمة توجه حركة المسلمين للعالم كله، للإنسان مسلم وغير مسلم وللبيئة كلها بما فيها من ماء وهواء ونبات وحيوان وجماد.

 ووحدة الصف الإسلامى توجه أمة الإسلام كى تحافظ على وجودها واستقلالها وسيادتها السياسية.

 أما التعاون مع القوى الراعية للعدل أو الفضائل من غير المسلمين فهو أمر موجه لدعم قيمة العدل أيا كان راعيها وهذا أمر يعزز قوة هذه القيمة بالواقع كما يعزز قدرة المسلمين على التعاون مع غير المسلمين لتحقيق قيمة العدل التى تمثل هدفا مركزيا لحركة الأمة الإسلامية، وهذا التعاون من شأنه تعزيز نضج ومرونة المسلمين فى التعامل مع غيرهم تعاملا صحيحا وصحيا.

فلن يسود العدل الإسلامى ما لم يكن للمسلمين السيادة السياسية والاستقلال الحقيقى، ولن يكون للمسلمين هذه السيادة والاستقلال ما لم يتوحد صفهم، ولن يظلل السلام والعدل الإسلامى سماء العالم ما لم تتعاون أمة الإسلام مع القوى غير الإسلامية  التى تدعم بعضا من قيم العدل والفضيلة.