المنطقة العربية والحرب العالمية الثانية فى مذكرات ثعلب الصحراء رومل (1 من 2)

بقلم عبد المنعم منيب | 2 نوفمبر, 2016
روميل وهتلر
روميل وهتلر

قرأت مؤخرا مذكرات ثعلب الصحراء الفيلد مارشال رومل، وكنت منذ سنوات طويلة قد قرأت وتأملت عبر العديد من المراجع الحرب العالمية الثانية ومشاريع هتلر والحلفاء من كل جوانبها السياسية والاقتصادية والإستراتيجية كما درست أغلب معاركها وإستراتيجيات هذه المعارك، ولكن قراءتى المتأخرة لمذكرات ثعلب الصحراء أوضحت لى أمورا عديدة ربما كنت غفلت عن بعضها من قبل وربما كنت نسيت بعضها الآخر، وأجد الآن أنه من المفيد كتابة محاور رئيسة عن انطباعى بعد قراءة مذكرات رومل، وأوضحها فى نقاط بالسطور التالية.

لكن قبل تقديم هذه الانطباعات يجدر بى الايضاح أن هذا المقال (بحلقتيه) ليس عرضا لمذكرات رومل ولكنه إلتقاط لدروس تكتيكية وإستراتيجية وأحيانا إدارية ونادرا سياسية اقتطعتها من كلام رومل تارة واستخلصتها من مرامى كلامه فى هذه المذكرات تارة أخرى.

-فى البداية أوضح أن هذه المذكرات هى مجموعة أوراق كتبها رومل أثناء حملته لاحتلال فرنسا ثم حملته فى أفريقيا ثم عودته لجبهة فرنسا، وطبعا كان رومل حرق أجزاء كثيرة من أوراقه عندما ساءت علاقته بـ"هتلر" كما ضاع جزء آخر من أوراقه التى لم يحرقها أثناء محاولات زوجته إخفاءها عن هتلر ثم إخفائها عن قوات الاحتلال الأمريكى لألمانيا.

-أكدت لى هذه المذكرات أن رومل كان ينتصر بمعاركه عبر موارد قليلة وأحيانا ضئيلة فقد كان ينطبق عليه المثل المصرى السائر "يصنع من الفسيخ شربات"، ووصل به الأمر فى معاركه الأخيرة بتونس أن واجه ألف دبابة بريطانية متقدمة بـ20 دبابة ألمانية فقط وتمكن من مواجهتها ثم التخلص منها والانسحاب بخسائر ضئيلة.

-كان روميل يخوض معاركه معتمدا على سرعة تحريك قواته وخفة حركتها فى ظل إجادته لتكتيكات حرب الدبابات الثقيلة واستخدامه المتميز للدبابات الألمانية التى كانت وقتها الأكثر تقدما وتفوقا فى العالم كله. (إلى أن تمكنت بريطانيا فى آخر سنوات الحرب من تصنيع دبابات ثقيلة "الجرانت" كما أن أمريكا صنعت دبابات أخرى قوية ومتقدمة أيضا بنفس التوقيت أبرزها "شيرمان"، علما أن وصول الحلفاء لتصنيع دبابات تضاهى نظيرتها الألمانية بنهايات الحرب هو من الأسباب التى مكنت الحلفاء من الانتصار فى الحرب).

-سرعة وخفة حركة القوات التى يقودها روميل لم تأت من فكر رومل الإستراتيجى هو وأغلب القادة الألمان فقط ولكنهم حققوا ذلك بفعل ميكنة قوات المشاة عبر حملها على السيارات والدبابات الخفيفة، بجانب فرق البانزر التى اعتمدت أصلا على الدبابات الألمانية الثقيلة المتقدمة بمقياس ذلك الوقت.

-أجاد رومل استخدام قوة الصدمة المتولدة من تشكيل القوات الألمانية التى دائما ما اعتمدت على فرق البانزر والمدفعية الثقيلة سواء الهاوتزر أوالمضادة للطائرات أو المضادة للدبابات.

-اعتمد رومل دائما على تثبيت جبهة العدو بإيهامه بالهجوم بالمواجهة وفى نفس الوقت يحرك قواته بسرعة وخفية للالتفاف على قوات العدو ومباغتتها بسرعة وقوة من ظهرها أو أجنابها.

-حرص رومل دائما على مهاجمة العدو وملاحقته عندما يكون هذا العدو بأسوأ حالاته سواء عقب تكبده خسائر كبيرة أو قبل اكتمال قدرات هذا العدو أو اذا كان فى موقع سيئ غير محصن أو فى حالة نقص الإمدادات أو انقطاعها أو تأخرها أوبطئها عن ذلك العدو.

-كان رومل يحرص دائما على ألا تكون أجنابه أو ظهره مكشوفا غير محصن وألا يكون سهل لهجوم العدو، فكان دائما يحذر من مباغتة أجنابه أو ظهره فضلا عن جبهته، كما كان يحذر أن يضرب العدو خطوط إمداداه.

-عندما تقرأ مذكرات رومل هذه تجده يشرح دور الموارد بالتفصيل فى عملية النصر بالمعارك التى خاضها ويحلل كل مفردات هذه الموارد سواء من حيث الكميات ككميات البترول اللازم لتسيير المركبات والدبابات والطائرات وكميات الذخيرة وكميات الأسلحة المختلفة كالمدفعية والمركبات والدبابات والطائرات وذخائرها..الخ، كما يحللها من حيث النوع من حيث مدى تقدم الأسلحة التقنى ومدى غزارة نيرانها ومدى فاعلية وتأثير أنواع ذخائرها، ورغم أن هذا أمر بديهى بالنسبة للعسكريين المحترفين من أمثاله إلا أنه أمر من المهم أن نتعلمه نحن العرب بعد أن أفسد خطاب الناصريين والقوميين (وتبعهم في هذا بعض الاسلاميين) عقول العرب بمختلف توجهاتهم السياسية والدينية فصاروا لا يفكرون بالمنطق بل بالشعارات الرنانة فارغة المضمون وهو أمر يوقعنا فى نكسات وهزائم يومية نتردى فيها ونحن نتبجح بالشعارات الفارغة بكل صفاقة وكأننا لا نتكبد الهزائم والخسائر  يوميا.

-ومن الموارد المهمة التى اهتم رومل بتحليلها وشرح دورها فى عملية النصر أو الهزيمة بمعارك الحرب العالمية الثانية موارد غير مادية مثل المعنويات وخبرات القادة وطريقة تفكيرهم وتركيبتهم النفسية والاهمال الإدارى أو الفاعلية الإدارية والتحاسد الإدارى وإن كانت هذه الأمور الثلاثة الأخيرة تعرض لها بحرص أحيانا لأنه كان يكتب وهو جزء من مواطنى ألمانيا تحت حكم هتلر ولم يصلنا أو هو لم يكتب شيئا بعدما ساءت علاقته بهتلر ولا بعدما أمره هتلر بأن يتجرع السم طواعية وسرا مقابل أن يترك هتلر زوجة رومل وابنه أحياء.