كيف نقدر المصالح والمفاسد؟ وأيهما نقدم في واقعنا المعاصر؟

بقلم عبد المنعم منيب | 30 يوليو, 2015

الخلافات بين المسلمين الآن أكثرُها - إن لم يكن كلها - يَدور حول تقدير القيمة الحقيقية للمَفسَدة أو المصلَحة بشأن قراراتٍ وخُططٍ ومناهجَ للتعامل مع واقعِنا المعاصر، وعند البحث والتقصِّي عن سبب هذا الاختلاف نجد أن السبب لا يَرجع لخلافهم على قواعدِ أو مناهجِ التفكير؛ لأن هذه المناهج والقواعد واضحة في القرآن وصحيحِ السنة وأقوالِ العلماء؛ إذ لا يسَع أحدًا أن يُنكر وجوبَ جلب المصالح ودفع المفاسد، وتقديم درء المفاسد على جلب المصالح، ووجوب حِفظ الضرورات الستة التي اعتبَرها الشرع بترتيبها المذكور في كتب أصول الفقه، إلى غير ذلك من الأصول والقواعد، ولكن الخلاف تولَّد عن إشكالية معيَّنة متولِّدة من تطبيق هذه الأصول والقواعد.

تَبادر كلُّ هذا إلى ذهني عندما قرأتُ قول الإمام السيوطي رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [الأنعام: 108]؛ إذ قال: "وقد يُستدلُّ بها على سقوط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكَر؛ إذا خيفَ من ذلك مفسدةٌ أقوى، وكذا كل فعل مطلوب ترتَّب على فعله مَفسدة أقوى مِن مفسدة تركِه"؛ اهـ مِن تفسير القاسمي للآية.

وقد نقل القاسميُّ أيضًا قول الزمخشري الذي قال فيه: "فإن قلت: سبُّ الآلهة حقٌّ وطاعة، فكيف صحَّ النهي عنه، وإنما يصح النهي عن المعاصي؟ قلتُ: رُبَّ طاعةٍ علم أنها تكون مفسدة، فتخرج عن أن تكون طاعة، فيجب النهي عنها لأنها معصية، لا لأنها طاعة؛ كالنهي عن المنكر، هو مِن أجَلِّ الطاعات، فإذا علم أنه يؤدي إلى زيادة الشر انقلب إلى معصية، ووجب النهي عن ذلك، كما يجب النهي عن المنكر"؛ اهـ من تفسير القاسمي للآية.

وفي تفسير نفس الآية قال نفس المعاني كلٌّ من ابن كثير والطاهر بن عاشور والسِّعدي والألوسي والبيضاوي والقاسمي والقرطبي وابن العربي وصديق حسن خان في كتبهم.

فالقواعد العامة للتفكير الفقهي (وهو نفسه التفكيرُ في السياسة الشرعية) متفقٌ على أبجدياتها وخطوطها العامة، ولا يمكن لأيٍّ من قادة ورموز المسلمين إنكارُها في أي عصر.

ولكن الإشكالية هي كيف نُنزِّل هذه القواعدَ والأحكام على الواقع العملي؟
مِن الواضح أن معرفة هذه القواعد والأحكام سهل، ويمكن للكثيرين قراءةُ الكتب وحفظ القواعد والأحكام، ولكن تنزيل هذه القواعد والأحكام على الواقع العملي ومطابقة المناسب منها مع ما يُناسبه في الواقع العملي هو الإشكالية الكبرى.

وحل هذه الإشكالية يحتاج إلى أمرين:
الأول: فَهمٌ عميق وشاملٌ لهذه القواعد والأحكام؛ فلا يَكفي حفظُ هذه القواعد والأحكام دون التعمُّق في أبعادها ومقاصدها المختلفة؛ إذ لا يمكن التحقُّق من هذا الشرط ما لم يَجتمع في الذهن الفَهمُ الشامل لهذه الأحكام والقواعد، بحيث يأخذ بأطرافها جميعها، فلا يَضرب بعضَها ببعض، أو يُعارض ببعضها البعضَ دون أن يَشعر، ولذلك كان أصحاب أبي حنيفة رحمه الله يصمتون ويكفُّون عن أي نقاش إذا قال الإمام أبو حنيفة في حكمٍ ما: "أستَحسِن كذا"؛ لأن معناه أنه عدَل عن الحكم بدليلٍ ظاهر للجميع إلى دليلٍ آخَر أرجحَ منه، ولكنه خفي عليهم رغم وضوحه في ذهن الإمام.

وهذا كما هو موجود في الفقه (ومنه السياسة الشرعية) فهو موجود في الحديث؛ عِندما يَلحَظ المحدِّث الراسخُ في العلم علَّةً خفيَّة في حديثٍ ظاهرُه الصحة.

والشاهد من ذلك كلِّه أن المعرفة بالحكم الشرعي يجب أن تكون عميقة وشاملة؛ لتُدرك كلَّ الأبعاد والمقاصد في نفس الحكم، وهذا العمق والشمول إنما يتأتَّى من التعلم بطريقة صحيحة عبر علماءَ راسخين، وبتكرار دراسة المراجع العلمية، والتوسع في دراستها، والتفكر فيها، وقبل ذلك - ومعه - التضرُّع إلى الله تعالى؛ طلبًا للتوفيق وتحصيلِ العلم النافع، مع الإخلاص والتواضع والاستقامة.

الأمر الثاني: فهمٌ عميق وشامل للواقع، ومنطقِ هذا الواقع بمختلِف أبعاده، وهذا إنما يتأتَّى بدراسة تاريخ هذا الواقع وحاضرِه بشكلٍ كامل ومتوسِّع كما هو، لا كما نتمنَّى، أو كما نتخيل؛ على أن يتمَّ هذا بتجرد وإخلاص، وسعيًا لمعرفة الحقيقة لا لتحقيق هوًى ما أو هدفٍ ما غير المعرفة.

ولعل هذا هو المقصود بقوله تعالى: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾ [الحج: 46]؛ فهذه الآية أكَّدَت على الدراسة، وهي ما عبَّرَت عنه بالسَّير ﴿ يَسِيرُوا ﴾ وهذا يُلمِّح لجمع المعلومات.

وفي آيات أخرى عبَّر عنها بالتفكُّر؛ مثل قوله تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ ﴾ [الروم: 8]، وقولِه أيضًا: ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ [الأعراف: 184]، وهنا يلمح للتفكُّر في المعلومات تفكرًا متجردًا من أيِّ هوًى أو غرضٍ غير المعرفة.

كما عبَّر عنها في مواضعَ أخرى بالنظر؛ كقوله تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأعراف: 185]، ولعل النظر يَحمل معنى جمعِ المعلومات والتفكرِ فيها معًا في لفظٍ واحد.

وعلى كل حال فإدراك حقائقِ الواقع يَستلزم ذلك كلَّه، وذلك كله لا يتم إلا بالتجرد التام للمعرفة، بعيدًا عن أي هوًى أو غرض أو انحياز مسبق، أو الوقوع تحت أَسْر العادات والتقاليد، والموروثِ من الناس، (لا الموروثِ من الوحي والنبوة).

والقرآنُ الكريم مملوءٌ بالتحذير من هذه الانحيازات المسبقة، ومن ذلك - على سبيل المثال لا الحصر - قولُه تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾ [الزخرف: 23 - 25].

ورغم كل هذه المعايير والشروط فقد يُصيب (امْرَأً ما) ضلالٌ في مرحلة دراسة العلم الشرعي (المفضي لمعرفة الحكم الشرعي)؛ كما حدث مع الخوارج الذين كانوا مع الصحابة والإمام علي، ورغم هذه الصحبة الفاضلة ضلُّوا، وكما حدث مع إمام المعتزلة واصل بن عطاء الذي كان يَجلس في مجلس عِلم الإمام الحسن البصري.

وقد يُصيب (امرَأً ما) الضلالُ في مرحلة أخرى؛ وهي مرحلة دراسة الواقع، والنظر في تنزيل الحكم الشرعي عليه؛ ولذلك قال تعالى في آخِر آيةِ السَّير في الأرض آنفةِ الذِّكر: ﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾ [الحج: 46]، وكما قال بعد آيتَيِ التفكر والنظر بسورة الأعراف (الآيتين 184 - 185): ﴿ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ [الأعراف: 186].

وبشكل عامٍّ فإن الهداية للحق في الحكم الشرعي والحقيقة في الواقع والصواب في مطابقة الاثنين معًا - هي هدايةٌ من الله تعالى في البداية وفي النهاية، فيجب اللُّجوء له والتضرع إليه كي يَمنحَها لنا بمحض إحسانه ومِنَّته، وفضله وكرمه سبحانه، وقد ورَد أن أبا سلمة قال: سألتُ عائشةَ أمَّ المؤمنين: بأي شيءٍ كان نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم يَفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته: ((اللهم ربَّ جبرائيلَ وميكائيلَ وإسرافيل، فاطرَ السموات والأرض، عالمَ الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلِف فيه من الحق بإذنك؛ إنك تهدي من تشاء إلى صراطٍ مستقيمٍ))؛ (رواه مسلمٌ وأبو داود والترمذيُّ والنَّسائي وأحمد)؛ فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم يُعلِّمنا الإكثار من التضرُّع لله تعالى، سائلين الهدايةَ إلى الحق.

ـــــــــــــــــــ

نشر هذا الموضوع على موقع شبكة الألوكة و غيرها اليوم.